بعد أن عرف المغرب توسعا للطبقات الاجتماعية منذ استقلاله، بفعل الحفاظ على نفس الامتيازات القائمة زمن الاستعمار وبفضل تعليف طبقات أخرى(السياسيون ورجال المخزن عموما) فإننا نرى اليوم فسيفساء متباينة من الطبقات، أغلبها يقع تحت مستوى الألفي دولار شهريا، بينما تنقسم الطبقات العليا إلى أقسام قليلة، فيها الأمراء وكبار رجال الأعمال( ، المستثمرون في الفلاحة أيضا) وكبار موظفي الدولة، وقد وصلت الفوارق بين الطبقات العليا والسفلى حدودا خيالية جعلت المغرب يتربع فوق هرم الدول التي توزع الثروة الوطنية بين أبنائها بشكل مختل جدا. فإذا كان أعلى دخل غير معروف وغير محدد (باستثناء الأجور) فإن أدنى أجر لا تراقبه الدولة ومن ثم قفد تكون 200 درهم (الخادمات في البيوت) وقد يكون 600 درهم (بعض الموظفات المشتغلات في القطاع الخاص) كما يمكن أن تكون الدولة نفسها تؤدي أجورا أقل من 1500 درهم (الأعوان غير المرسمين) ولو قام بعض الباحثين في الاقتصاد والمجتمع ببحث مفصل موضوعي في هذا الباب لاكتشفنا غرائب عجيبة عن حقيقة الفوارق الطبقية في المغرب
لكن الظاهرة الجديدة التي بدأت تطفو على السطح في السنوات الأخيرة هي التي تهم الفوارق الثقافية، ليس بمعيار مستوى التحصيل والشواهد وإنما بمعيار القناعات الدينية والأخلاقية وطبيعة الاتجاهات المعرفية. وقد يكون ذلك من نتائج الأزمات الاجتماعية الاقتصادية، وعلى رأسها أزمة الشغل ثم ضعف الأجور مع تغير العادات الاستهلاكية وتطورها. إن جزءا من المجتمع يتبنى اليوم أكثر الأطروحات تطرفا فقط لإحساسه بالغبن والظلم مما يجعل سلوكه مجرد رد فعل قوي على الحيف الاجتماعي الذ تعرض له، مع إمكانية وجود التطرف عند بعض "المستورين" لكي لا أقول الميسورين
جزء مهم من المجتمع المغربي يعتقد أنه من الواجب حماية التقاليد والمعتقدات ولو بالعنف اللساني، منهم من يعتبر الحريات الفردية كلاما كافرا مستوردا للاستهلاك ومنهم من يعتبر رقص الباليه بدعة يجب محاربتها ومنهم من يعتبر بعض موسيقى الشباب جزءا من عمل الشيطان وهناك من يرى أن لباس النساء والبنات غير محتشم حتى ولو غطى كل الجسد مادام شعر الرأس غير ملفوف في حجاب وهناك من يرى أن قراءة كتب الكفار كفر حتى ولو تضمنت العلوم والمعارف وهناك وهناك، وكلما محصنا أكثر وجدنا طبقات أخرى تحرم أكثر مما ذكرنا وبشكل أكثر تطرفا
في المقابل جزء مهم من المجتمع المغربي يعيش على النقيض تماما من الجزء المذكور وهو أيضا طبقات، منهم من يرى أن لكل مغربي الحرية في أن يصنع ما شاء في حدود احترام الآخر، ويرون أن هناك قوانين منظمة لهذه الحريات نكتفي بتطبيقها عند حصول الاعتداء على الآخر، ومنهم من يقدس الفن مهما كانت موضوعاته وأنه لا حجر على الموسيقى والسينما والمسرح والرسم وغيرها إلا في حدود عدم المس بالمقدسات، ومنهم من يرى أن الإبداع لا ساحل له وأن من حق الشاعر والروائي والمسرحي أن يكتب بالحرية الواسعة الممكنة على اعتبار أن ما يكتب هو تخييل فقط ولا علاقة له بالواقع(المتطرفون يرون أن على الأدب ألا يتضمن لغة الزنقة) ويرى آخرون أن من حق المغربي أن يصنع بجسده ما يريد ما دام لا يصنع ذلك أمام الشهود، ويرون ويرون
ونحن نرى أن الهوة أصبحت شاسعة بين الطبقات في هذا الباب، الإرهابيون، المتطرفون، المتشددون، أهل السنة، الأصوليون، المتدينون، أهل الأخلاق، المحايدون، المنفتحون، المعتدلون، المتحررون، المتغربون، المتفرنسون، الأمازيغ الرافضون للعرب، الشيوعيون الرافضون لطقوس الدين الإجبارية، الفوضويون، المؤمنون باللذة، الشواذ، العاهرات....وبين كل طبقة وطبقة جدار عال كبير من سوء الفهم، يستتبع إرادة في المحو والقتل والمسح، خاصة من لدن الإرهابيين الذين يعتبرون أن المجتمع كافر يستحق القتل ثم القتل
الخطير في الأمر، أن بعض المدافعين عن الأخلاق يتحولون إلى الإرهاب بسرعة مذهلة، فقد كانوا منذ يومين يدافعون عن أخلاق الأمة ثم انقلبوا يحرضون الناس على القيام بالفريضة الغائبة، هذا ما نخاف منه، أن تتباعد المسافة بين الطبقات وتنمحي كل نقط الالتقاء بينهم فلا يلاقي بينها سوى العنف، لأقول في الأخير أن اتساع الخلاف بين أفراد المجتمع قد ينتهي إلى عنف كبير سيؤخر المجتمع عن ركب الحضارة التي نريد أن نلحق بها، أو نشيدها إذا كان هناك متطرف يعتبر الحضارة الغربية كافرة غير جديرة باللحاق
كتبها علي الوكيلي في 02:17 مساءً ::
لاشك أن رياح التغيير قد لعبت دورها بقوة في خلخلة بنية المجتمع المغربي، على الصورة التي أوضحتها في إدراجك.
وما ينطبق على المغرب ينطبق أيضا على معظم المجتمعات العربية التي يبدو أنهالم تتهيأ سياسيا وعلميا وثقافيا ونفسيا للحاق بركاب الحضارة العالمية الجديدة، ومن هنا منشأ هذا التمزق وهذا الشرخ الذي حدث في تركيبة المجتمع المغربي والعربي بصفة عامة. من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وبينهما وسائط لا تعد ولا تحصى.
ويبدو أن الطبقة القليلة المتنفذة داخل المجتمعات العربية هي الوحيدة المستفيدة، في هذا المشهد الجديد،وإن بقيت تلك الاستفادة سطحية لا تتجاوز زخرف الحياة. أما الكثرة الباقية فممزقة بين فتنة العيش وفتنة الخلاف.
مع خالص تحياتي لك.
انك تثير اخي موضوعا في غاية الاهمية . فعلا هناك اختلال في ميزان الاجور مما ترتب عنه اختلال في التوازن الطبقي الاجتماعي ، الا ان هذا مع بعض الارادة السياسية والتسيير الاقتصادي الجيد يمكن الفعل فيه. المشكل الاخطر هو الهوة الثقافسة كما سميتها ، واذا اردنا رؤيتها بوضوح ، يكفينا الانتقال بين القنوات الفضائية التي لا تشبه احداها الاخرى. بل هناك بينها من تحاول امساك العصا من الوسط للحفاظ على مكانها في كل البيوت العربية.
اضيف الى ملاحظاتك ان المواطن العربي عامة والمغربي على وجه الخصوص يعاني من انفصام حاد في الشخصية. حيث نجد المثقفين التقدميين كما يسمون انفسهم يفرضن على نسائهم ويناتهم الحجاب ، وفي المقابل يقوم قادة التيارات الاسلامية بارسال ابنائهم للدراسة خارج المغرب، لقد اصبحنا كالغراب الذي فقد مشيته.
ما أثارني أخي عبد اللطيف هو استحالة تفاهم المدافعين عن سلفية الأخلاق عبادات ومعاملات، و المؤمنيت بالحريات الفردية وفق المعايير العالمية، لا أمل، وقد بينت أحداث القصر الكبير دفاع كل فريق عن خندقه ماسحا الآخر بشكل نهائي، فمن أي ثغرة يمكن التقريب بين أبناء المجتمع المغربي؟
تحيتي وامتناني لك أيها السند العزيز
رجعت إلى مدونتك فوجدتها ناطقة باسم أبناء آسفي الذين أوجه لهم تحية حارة بالمناسبة(قضيت أياما جميلة في آسفي بين سنتي 1981 و 1982) ولا أعرف إن كان جائزا لي أن أخاطبك بالمؤنت، لكن أستسمحك في فعل ذلك مع الشكر الجزيل على تكريمك لهذه المدونة لأول مرة
أنا كاتب، أومن بالحرية في الإبداع ولا أستطيع أن أتخندق في حفرة كيفما كان ذلك، ولهذا فأنا أعاني حساسية مفرطة أمام كل إرادة في وضع حدود مسبقة للإبداع، وحين حاولت أن أتفاءل بمستقبل للكتابة في حمأة هذه الصراعات أصابني اليأس والإحباط والتشاؤم، لأن مستقبل المغرب خطير جدا، إما أن ينتصر فيه الفساد السياسي والاقتصادي أو ينتصر فيه الإرهاب الفكري ويؤسس للتحجير على العقول، فنصبح بذلك قاصرين جميعا لا نعلم إلا ما يعلمنا محترفو الفتاوي الماضية (من مضاء السيوف) وليرحم الله المغرب آنذاك
هل وصلك المطلوب
أستاذي الفاضل علي الوكيلي،
الاختلالات في المغرب موجودة من الألف إلى الياء... والحل في نظري هو الرجوع خطوة إلى الوراء من أجل بحث سبل خلق توازن معقول بين الذي يصرف يوميا 10 دراهم ويشد على بطنه بحزام سرواله (لأن الأحجار أصيبت بحمى العولمة) ومن يصرف 10 ألاف درهم في زجاجة خمر من أرقى الأنواع.
شكرا على الجرأة التي تتناول بها دائما دقائق الأمور في مغرب لا تستغرب.
وأشتقت إليك وإلى رسائلك
تحياتي إلى مكناس وإلى كل من يعرفني
محبتي
تحيتي ومحبتي أخي عثمان ومعذرة عن التأخر في الرد بسبب انفصالي عن إنترنيت اتصالات المغرب، سأعود لتعليقك فيما بعد
الاسم: علي الوكيلي
