التعليم بين السياسة والتربية
كتبهاعلي الوكيلي ، في 17 سبتمبر 2009 الساعة: 07:56 ص
من المنطقي أن يكون عندنا أربعة أصناف من الناس، سياسي "يفهم في" التربية ورجل تربية "يفهم في" السياسة ورجل تربية "لا يفهم" في السياسة وسياسي "لا يفهم" في التربية، ومن حظ المغرب العاثر أن الصنف الأخير هو الغالب، إذ يجد السياسي نفسه مسلحا بقوة تنفيذية أو تشريعية لا مثيل لها في القوة والتأثير دون أن تكون له قوة معرفية في مجال التربية، فيفعل ما يشاء دون أن يستحي.
تأملوا معي هذا التناقض الغريب عند السياسي في مجال التدبير التربوي: كيف يمكن الحصول على تعليم نوعي في ظل شعار تعميم التعليم؟ ذلك أننا إذا أعطينا تعليمات لا تناقش بتمكين التلميذ من اجتياز المرحلتين التعليميتين الابتدائية والإعدادية بلا فشل دراسي، فمعناه أننا سنقوم بإلغاء جميع معايير الانتقاء العلمية التي تفرز لنا الكفاءة، بلغة أخرى سينجح الجميع، المتفوقون والمتوسطون والمتعثرون، وبما أن الحس التنافسي قد انعدم بسبب سهولة الانتقال من قسم إلى آخر فإن غليان الجد والاجتهاد الذي كان يميز المدرسة المغربية قبل 1979 قد ولى وانتهى، وأن العدوى ستمس المدرسين أيضا، الذين أصبحوا متعودين على منح النقط العالية كيفما اتفق دون اجتهاد. ما هي النتيجة إذن؟ كم هائل من التلاميذ ممن "لا يفك الخط" سيجدون أنفسهم في الثانويات التأهيلية دون مؤهلات، كل ذلك بحكم هذا القرار السياسي بتعميم التعليم، وهو أمر ملتبس عند السياسيين بمحاربة الأمية.
المدرسة المغربية لا تنتج تعليما جيدا وإنما تنفذ برنامجا سياسيا مرهونا بالمعايير الدولية للتنمية الاجتماعية، كما في الصحة والسكن وغير ذلك، ليأتي هؤلاء بعد ذلك ويتكلموا عن الدعم، فماذا سندعم؟ كيف سندعم تلميذا في الجدع المشترك لا يعرف معنى الخط المستقيم، بل هناك من لا يحفظ جدول الضرب؟ من أين نبدأ الدعم؟ من مستوى الثالث ابتدائي أم الأول إعدادي أم ماذا؟ إذا كنا نحن الذين نخرب مستوى التلاميذ بإنجاحهم دون وجه حق فما فائدة البكاء على مستوياتهم المتدنية؟
أذكر أننا نحن تلامذة فوج 1963/1964 لم تكن محفظتنا تحمل سوى كتابين، "إقرأ" للمرحوم أحمد بوكماخ والخمسة عشر حزبا من القرآن الكريم وبعض الدفاتر، وفي قسم الابتدائي الثاني انضاف كتاب الفرنسية "القراءة والفهم" وهو من المقررات الفرنسية، ورغم ذلك تخرج منا المهندسون الأكفاء والأطباء الجهابذة والمحامون المفوهون وثلة من الأطر التي تسلمت المشعل من جيل ما قبل الاستقلال ونجحت في ذلك نجاحا باهرا، ثم بدأت محفظة التلميذ تنوء بثقل أكبر مع السنين وتحصيله المعرفي ينقص، إعلانا عن تحول التعليم المغربي من إنتاج النوع إلى إنتاج الكيف. نحن لا ننكر فائدة التجديد والبحث عن مواهب التلاميذ وابتكار آليات التوجيه الصحيح، لكن، ذلك لم يتم إلا جراء قرارات سياسية وليس بناء على حاجيات تربوية مدروسة بشكل علمي.
منذ سنة 1965 والسياسيون يعتبرون رجل التعليم عدوهم الأول، فقرروا أن يحاربوه ويخنقوه ويحتقروه بدواع سياسية دون الانتباه إلى أنهم يخربون الأداة الوحيدة التي ينجح بها التعليم أو يفشل في أي بلد من العالم، وحين أصبح المعلم موضوعا للنكتة، التي تكون تيمتها "البخل" في الغالب فإن ذلك كان مؤشرا على بداية فشل التعليم في البلاد، السياسيون يفقرون المعلم والمجتمع يتنكت بذلك (تبارك الله عليكم والله يعطيكم الصحة وخلاص)، غير مدركين لخطورة ذلك، وهو أمر لا يفهم عواقبه السياسيون. المعلم الذي كان بعد الاستقلال من أهم الأطر الوطنية ماديا ومعنويا أصبح في بداية الثمانينيات من أفقر الفئات الاجتماعية، ومن أكثرها إثارة للشفقة والرحمة حتى شاع الحوار الشهير المضحك:
- - آش كايعمل ولدك؟
- معلم.
- مسكين!
ثم انضاف عامل آخر من عوامل فشل التعليم سنة 1982، وهو تخلي الدولة عن التوظيف في وقت لم يكن الاقتصاد الوطني قادرا على إنتاج مناصب الشغل، فانغلقت الآفاق نهائيا، وغدت الشهادات لا تسمن ولا تغني من جوع وتوسعت دائرة المعطلين الحاصلين على شهادات عليا، وانقلب التعليم من منتج إلى الأمل إلى منتج لليأس، وهو ما استفحل اليوم بشكل واضح، حتى أن المهندسين، وهم زبدة المجتمع أصبحوا لا أمل لهم في الشغل إذا انعدمت الواسطة أو الرشوة. ونحن هنا نعي أنه من الواجب الفصل بين التعليم والشغل، لأن المدرسة أداة للتعلم والتكوين وليس للتشغيل، لكن رغم ذلك يجب أن تكون الحلقات الاقتصادية على صلة بما تنتجه المدارس، إذ أن من العيب أن تنتج مدارسنا متعلمين لا فائدة منهم للمجتمع. هذا دون الحديث عن الأثر النفسي الفظيع على المتعلمين الذين يكونون على يقين من أن الشغل غير مضمون في المستقبل بعد نيل الشهادات العليا، قناعة تبدأ مع اليوم الأول لولوج قسم الأولى ابتدائي.
يوجد مصير التعليم اليوم بين أيدي السياسيين الذين تحركهم هواجس غير تربوية، بل أحيانا أمنية، لأن رجل التعليم في اعتبارهم لا يبتعد كثيرا عن الخادمة التي تبقى مع الأطفال بعد خروج الأمهات والآباء من البيت. سياسيون لا يدركون مشاكل التعليم إلا من خلال ما يقال وما يسمع، منفصلون تماما عن المجتمع وحاجياته، قابعون في مكاتبهم المكيفة وعيونهم على أرقام الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المكلفة بتنقيط الدول، ومن تم خرج سوء فهم كبير لمعنى "تعميم التعليم". وأنا أقول لهم بكل صراحة ودون خجل: نحن مجتمع متخلف، نصرف أمورنا اليومية بالرشوة والمحسوبية، ونفشل في محاربة الفساد والسيبة ونعتز بخرق القانون، ولن يكون تعليمنا إلا من لون طيننا، فلنبحث جميعا للتعليم عن دواء خارج القرارات السياسية الفوقية، فمكمن الداء في مكان آخر لا تراه عيونكم العشواء التي تستعصي على كل أنواع النظارات الطبية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 18th, 2009 at 18 سبتمبر 2009 10:13 م
الأخ على الوكيلي : بعد تهنئتكم بالعيد الذي نتمنى أن يكون سعيدا، أعود فأقول بأنني قرأت إدراجك لمرات عديدة، استوعبت من خلالها الرسائل الواضحة التي أرسلتها مباشرة إلي أشخاص لايهمهم شيء من هذا الوطن سوي عائدات مشاريعهم، ومناصبهم العلياالتي يتهافتون على الحصول عليها كما الأطفال.
فأزمة التعليم ببلادنا خطط لها مباشرة بعد الاستقال من طرف أناس عديمي التجربة، قليلي الخبرة، وبدأ التنفيذ الفعلي لها في بداية السبعينات، وبدأت نتائجها تحصد في بداية الثمانيات، حيث ساهم في تنفيذها رجال التربية أنفسهم قبل رجال السياسية سواء عن وعي أو بدونه، علما أن مجال التربية عرف اختراقا كبيرا من طرف وزارة الداخلية خلال عقود السبعينات والثمانينات،حتى أصبحت هى الوزارة الوصية على التعليم دون منازع، ومن هنا استطاعت تنفيذ مخطط التضييق المباشرعلى المدرسة العمومية وبكل سهوله، بتغيير المناهج، وحذف بعض المواد الحية، وابتكار بعض المواد الجديدة لتخدم المرحلة، وإلحاق كل من هب ودب بحقل التعليم من مخبرين وجواسيس، وهكذا حتى تم تحطيم سمعتها، أمام أنظار جميع الفاعلين التربويين الذين كانوا غالبا ما يكتفون بالاحتجاجات المشبوهة التي لاتنفي مساهمتهم في صنع ذلك الواقع.
لقد ساهم رجال ونساء التعليم (وإن لم يكونوا جميعهم)
في اندحار التعليم العمومي، بعد ان استسلموا، وقدموا فلذات أكبادهم قربانا لنحره، وإنجاح المخطط الطبقي الذي صنعته الدولة بدهائها من أجل أن تقلم أظافر رجال التعليم العمومي(الضاصرين) والذين كانوا يزعجونها بالاضرابات والاحتجاجات المطلبية في كل حين.
لذلك فلا غرابة أن تكون نتائج تعليمنا المغربي بتلك الاوصاف التي تشرفت بطرحها من خلال إدراجك المتميز والذي أشكرك على طرحه متمنيا أن يطلع عليه معظم العاملين في حقل التعليم.
هذه رؤية مدون سككي أتمني أن تكون قريبة من فكرة موضوعك.
وتحية لك.
سبتمبر 18th, 2009 at 18 سبتمبر 2009 11:14 م
أشكرك سي عبد الرزاق على إسهامك الثاقب الذي يبين أن التربية شأن عام يلم به رجال المهنة وغير رجالها، وها أنت قد أصبت وكأنك رجل تعليم متمرس.
صحيح أن رجال التعليم ساهموا في دمار المدرسة المغربية عن جهل أو بنية حسنة أو بلعاب سائل وراء التعويضات أو الغنمية الحزبية (من قطيع الغنم)، لكن أصحاب القرار الأعلى هم الذين أقصدهم، فالحسن الثاني رحمه الله كان داهية سياسيا لكنه لم يكن يدري خطورة التعامل مع المدرسة بالمزاجية السياسية، وكذلك الذين خططوا لميثاق التربية والتكوين، كان همهم محطة الأداء في الثانوي والجامعي، هذا بعد أن نجح البصري في تحويل اهتمام المغاربة إلى التعليم الخصوصي في المستوى التعليم الابتدائي، من خلال جعل التعليم العمومي منحطا للغاية.
محبتي وتقديري أخي
سبتمبر 19th, 2009 at 19 سبتمبر 2009 8:24 ص
في جل المدن المغربية خاصة في الأحياء الراقية أو المتوسطة أقفلت وزارة التربية أغلب المدارس الابتدائية أو حولتها إلى ملحقات إدارية، والآن بدأ الأمر نفسه مع الإعداديات، مما يظهر نفور المغاربة من التعليم العمومي الذي فقد جودته، بسبب العموامل التي تفضلت بذكرها. لكن لنفترض أن المغرب أصابته أزمة اقتصادية نقلت الطبقات المتوسطة إلى الفقر المذقع ، أين سيدرس أبناء هذه الطبقات؟
تحيتي لك
سبتمبر 19th, 2009 at 19 سبتمبر 2009 2:52 م
من أهم خطط الليبيرالية المتوحشة استعباد الآخرين، وحين تضرب الجائحة المغرب لا قدر الله فإن الرجوع للوراء غير ممكن بالنسبة للشعب، لن تكون هناك خدمة عمومية لا في التعليم ولا الصحة ولا غيرها، مما يسهل الدخول مجددا إلى عالم الفيودالية والعبودية، يعني بنادم بريال (وهو ما تدعو إليه بعض الصحف الاقتصادية مثل ليكونوميست التي تتباكى على ضعف المنافسة المغربية بسبب ارتفاع أجر العامل المغربي مقارنة بالصيني، ما كرهاتش المروكي يخدم 12 ساعة ب500 درهم)
شكرا أخي محمد
سبتمبر 21st, 2009 at 21 سبتمبر 2009 11:27 ص
تقبل الله طاعتكم وأعاد عليكم الايام بخير…..عيد فطر سعيد
سبتمبر 22nd, 2009 at 22 سبتمبر 2009 5:58 م
عيد مبارك سعيد أخت أم عبد الرحمن وشكرا على زيارتك
سبتمبر 28th, 2009 at 28 سبتمبر 2009 11:22 م
السلام عليكم و عيد مبارك سعيد.
مصيبة تعليمنا أنه ابتلي بمسؤولين لا يفكرون في الإصلاح إلا من خلال ثقافة أجنبية.و أنتم تعلمون ما للتربية من خصوصيات محلية،و كأن ثقافتنا و تراثنا لا يليق بهما أن يكونا أساسا للإصلاح.إن المرء ليحزن عندما يرى ـ بعد مرور أكثر من خمسين سنة على استقلال المغرب ـ أن الأمية لا زالت في تصاعد،و أن حال التعليم لا زال على النحو الذي يعرفه الجميع.
تحياتي أخي علي.
سبتمبر 29th, 2009 at 29 سبتمبر 2009 10:15 م
التعليم جزء من اضطراب الهوية عندنا، لا نعرف إن كنا عربا أم أمازيغ أم فرنسيين أم يهودا أم ماذا؟، لذلك بقي التعليم حقل تجارب تتجاذبه الاجتهادات الحائرة الموسمية المؤقتة كل خمس سنوات، ولا نعلم ماذا سيخترع السياسيون سنة 2014.
تحيتي أخي عبد الله وعيدك أكثر بركة وسعادة إن شاء الله وشكرا على الإخلاص للمدونة