محمد السادس في عام حكمه العاشر

كتبهاعلي الوكيلي ، في 28 يوليو 2009 الساعة: 11:35 ص

ليس سهلا أن تحكم بلدا كالمغرب عشر سنوات دون كبوات أو أخطار أو أخطاء، ولعل من يكون بعيدا عن ممارسة قيادة أمة ما، لا يقدر حق التقدير ما معنى أن تسير بلدا بتركة ثقيلة من المشاكل والتوابع والزوابع، بلدا كأنه خرج من حرب، حرب ليست كالحروب، هي حرب من أجل السيطرة على المغرب، طرفها الأول الملك الراحل الحسن الثاني وطرفها الآخر الأحزاب الوطنية، من سنة 1961 إلى سنة 1998 (مع استثاء الفترة القصيرة التي شارك فيها حزب الاستقلال في الحكومة غداة الانتخابات التشريعية لسنة 1977، بناء على تعهد التزم به علال الفاسي رحمه الله بالمشاركة في الحكم إذا تم استرجاع الصحراء)

عشر سنوات من حكم الحسن الثاني كلها اضطرابات وأحداث وصراعات بين الطرفين، انضاف إليها الجيش طرفا ثالثا في صيف 1971، وما بين سنتي 1961 و 1971 تاريخ مكهرب من شد الحبل. فبمجرد وفاة المرحوم محمد الخامس عبرت الأحزاب الوطنية (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب الاستقلال والحزب الشيوعي المغربي وجماعات أخرى) عن حذرها الشديد من فلسفة الحسن الثاني في الحكم، ثم انبنى جدار عال من انعدام الثقة بين الطرفين، الكتلة الوطنية تريد دستورا عصريا يحد من سلطات الملك بل هناك من طالب بملكية دستورية لا يحكم فيها الملك(وكان هناك الجمهوريون أيضا)، والملك من جهته كان لا يثق في ما يمكن أن يصنع هؤلاء بملكية ضعيفة زمن الانقلابات والمؤامرات السهلة المباركة من طرف الإيديولوجيات السائدة آنذاك(هذه الصراعات الإيديولوجية سيرتاح منها محمد السادس نهائيا) 

اتهمت المعارضة بمحاولة قلب النظام سنة 1963 واقتيد معظم قيادييها إلى السجن، ومنهم عبد الرحمن اليوسفي الذي سيكون أهم رجل يسهل سلاسة الانتقال السياسي من الحسن الثاني إلى محمد السادس سنة 1999. ثم اشتد التوتر فوصل إلى شن إضرابات عنيفة سنة 1965، قال عنها الملك أنها من تنظيم المعارضة وذلك بتسخير رجال التعليم الذين حرضوا التلاميذ على شنها. إضرابات نتج عنها إعلان حالة الاستثناء وحل البرلمان. ثم جاءت سنة 1971 لتكشف عن حدث خطير كاد يعصف بالملكية آنذاك، حدث محاولة قتل الملك وأسرته (كما حدث في العراق وربما كان انقلاب الصخيرات أكثر دموية لأنه لم يستهدف الملك فحسب وإنما كل نفس حية داخل القصر) ولولا الأقدار الإيجابية لتحول المغرب إلى جمهورية يقودها الأخ رئيس مجلس الثورة مرشحا لمنصب ملك جمهوري مع توصية بتولية العهد للإبن المدلل ولي العهد الجمهوري.

هذه العشر سنوات من حكم الحسن الثاني أظهرت الملك دون مساحيق ولا كذب، فقد كان صريحا في خطبه وخططه، عنيفا أحيانا في قراراته، مشددا على أمن الأسرة الملكية والمغرب أكثر من اهتمامه بالبناء الديموقراطي أو الإصلاح السياسي والاجتماعي، فنشأت جفوة بين الملك والمعارضة أحدثت فجوة هائلة لم يرأبها سوى الانهيار الإيديولوجي لسنة 1989 مع نهاية الاتحاد السوفياتي، وربما بدأت الإصلاحات الكبرى للملك الراحل بعد سنة 1991 غداة الإضرابات الشهيرة والأخيرة في حجمها وقوتها.

حين جاء الملك محمد السادس إلى الحكم، لم يواجه أي صراع مع أي نوع من المعارضة، باستثناء شذرات من المجتمع المدني التي استمرت في المطالبة بالتغيير واستغلال مناسبة وفاة الملك الحسن الثاني ومجيء الملك الشاب محمد السادس، الذي بيّن في السنوات الخمس ما قبل وفاة أبيه أنه غير راض على فلسفة الحكم وعلى بعض المقربين من أبيه. كما أنه لم يواجه مدا إيديولوجيا كالذي عانى منه والده، اللهم إذا استثنينا التطرف الديني الذي انفجر مع حدث تفجير برجي نيويورك وبزوغ إسلام بن لادن.

عشر سنوات بلا معارضة وبلا رجات سياسية، عشر سنوات لم نعرف فيها ردات فعل قوية عنيفة كالتي عرفناها زمن الملك الراحل، ونحن سعيدون بذلك، سعيدون بأن ننعم بعشر سنوات من الهدوء السياسي والاجتماعي، مرفوقة بالعمل الجاد للملك، الذي لا يتعب من العمل اليومي، من البناء والتشييد، من القرارات الشجاعة التي لا ينكرها أحد، قرارات غيرت وجه المجتمع وأعطته الأمل في مزيد من التغيير، وربما احتاج محمد السادس إلى أكثر من عشرين سنة ليقوّم ما اعوج ويصحح ما اختل جراء حرب ضروس بين الحسن الثاني والمعارضة.

لكن، نتمنى صادقين أن ترجع أحزاب الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والتقدم والاشتراكية إلى المعارضة، ليس لوضع العصا في العجلة كما يقال، ولكن لإسماع الصوت الحقيقي للشعب، هذا الشعب الذي لم يجد من يدافع عنه ويتكلم باسمه ومن ثم يعيد له الرغبة في المشاركة السياسية وشهية البناء الديموقراطي، معارضة لن ينجح فيها إلا من يعارض الملك وليس حكومته فقط، وهذا هو المفهوم الصحيح للمعارضة، إذ لا يمكن تقديس طريقة حكم الملك ومعارضة حكومته في نفس الوقت، وقد بين التاريخ أن كل الأحزاب التي نشأت برغبة ملكية داخل القصر أو خارجه أو من ضلوع الأحزاب الإدارية لم تنجح أبدا في خلق المناخ السياسي الملائم للرؤية الصحيحة التي يهتدي بها الملك، وكل ما خلقته هم مجموعة من الفراعنة، الذين لا يعرفون لا القانون ولا الشرع ولا الأخلاق، فهل ننعم بعشريات أخرى هادئة جميلة مثل التي عشناها مع محمد السادس في سنواته العشر الماضية؟ 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

7 تعليق على “محمد السادس في عام حكمه العاشر”

  1. ليس هناك أصعب على الملك محمد السادس من هذا الفساد المستشري في البلاد، وعوض أن يتحمل كل مواطن مسؤوليته ينتظر الشعب من الملك أن يراقب بنفسه الرشوة ويوقف لوحده التهريب والاتجار في الممنوعات إلى آخر القائمة. الناس تنتظر من الملك أن يصنع كل شيء، فمتى نتحمل مسؤولياتنا كلنا؟

  2. شكرا أخي ابن الفلاح على إخلاصك لهذه الكتابات التي يظهر أن صراحتها بدأت تقلق بعض الجهات التي اكتشفت أنها تحاربني على مستوى الذيوع الافتراضي، بل هاجمت بريدي ومنعت عني كثيرا من الرسائل. كل ذلك لأني أقول ما يجب أن يقال لا ما هو ملائم للمقامات السياسية. أتمنى أن أجد القوة من أجل الاستمرار

  3. و ليس سهلا أن ينسانا الأصدقاء حينما كنا بحاجة إليهم

    كنا في صراعات مصيرية بل ساور الوجود

    أن قد خلت له الساحة

    و ها قد استيقظنا مجددا

    كن بخير أيها الصديق الغالي

    لي عودة للنقاش

  4. شكرا الصديق العزيز هشام على وصل ما انقطع، وما انقطع لم ينقطع عمدا وإنما من شدة الكسل الذي يجعلني أكتب الإدراجات ثم أختفي عن الأنظار. وقد يكون الخجل المرضي الذي أعاني منه انتقل إلى المستوى الافتراضي، فأنا من أشد أعداء الميسينجير والشات وكل أنواع التواصل المباشر.

  5. العزيز علي :

    أعتقد أن ” الانتقال السياسي في المغرب” اكتسب شحنة أيديولوجية لافتة.

    العديد من الكتابات التي صاحبت العهد الجديد تتحدث عن العهد الجديد كأنه انجاز جماعي للمجتمع المغربي الذي ما زال عاجزا عن التعبير عن تطلعاته انطلاقا من كونه المعني الأول بها. إذا تمكن المغاربة من اكتساب حرية الاختيار فسيكونون قادرين على تحمل تبعات الاختيارات التي يؤمنون بها في كل المجالات الحيوية (الحرية في إبداء الرأي دون نسيان ضمانات العيش الكريم تفاديا للتسويق لنموذج الديمقراطية المجردة). هذا الكلام و على النقيض من فحواه الموضوعي فإنه لا يتناسب مع الاستطاعة المعرفية للمغاربة انطلاقا من ربطه المستمر بالمطالب السابقة للسياق الزمني المغربي الراهن، صحيح أن الديمقراطية إنتاج فكري و اجتماعي ترتب عن تطورات تاريخية متراكبة و متكاملة، إلا أنه كذلك ضرورة اجتماعية يستخرجها الإنسان العادي في الظروف المعيشية المتردية لشعب ما.

    من المشهور أن الأغلبية الكاسحة من الشعب المغربي استهلاكية في أغلب القطاعات الحيوية (الصناعة و البحث العلمي)، و بالتالي فلا يصح أن تفرض عليه اتجاهات إستراتيجية محددة. هذا الفعل الذي يخلق خصوصية المنظر السياسي الوطني اعتراف من جانب السلطة السياسية بجهل الشعب و بالتالي هو تبرير لممارسة الوصاية تحت شكل المصادرة. لكن، أ لا تدرك السلطة أن استخدام جهل الشعب الذي يعني غياب مفهوم المواطنة ينتزع منها الشرعية؟ الجواب هو أن السلطة متمسكة بشرعية الاستمرار (توطيد السلطة تأسيسا على استحالة تحقيق مبدأ تداول السلطة ضمن المستويات العليا للسلطة الدستورية) و ليست مهتمة باستمرار الشرعية لسبب شبه تلقائي، الشرعية غير موجودة فلماذا إنفاق أي جهد من اجل إثباتها. رأى مونتسكيو أن الديمقراطية تتحقق بفصل السلط، في الواقع هي تتحقق بفعل المواطنة التي تبني الديمقراطية و ليس العكس أو على الأقل مثلما هو ملموس في نوعية الحاجة المغربية إلى الديمقراطية.

    استغلال الأمية المغربية كان رائجا أيام الملك الراحل الحسن الثاني، فقد قدم للشعب صورة عن رجل دولة صلب منحدر عن الإمام علي و محاط بالبركة النبوية، بينما كان يتحدث للصحافة الفرنسية عن أفكار الفيزيائي و الفيلسوف باسكال. فرق شاسع في أسلوب التعامل، و هو فرق منطقي جدا، إذ أن الكثير من المغاربة يعتنقون العقلانية لدى تواجدهم بالأراضي الأوروبية فقط، أما داخل المغرب فهم متمسحون نجباء بالبركة الحسنية. ربما كان الحسن الثاني يبرر تصرفات نظامه بكونه عالما ضاع بين جهال و الذي دعا له الرسول بالرحمة نظرا لوضعيته الصعبة، كدليل مخصص للفهم المغربي، أما المستوى اللافت لثقافته العالمية فهو كاف لتفسير سياساته للغربيين.

    أصبح واضحا أن السياسة في المنظور الحسني لعبة ظروف دقيقة و تقسيمات سياقية حساسة، فالأحداث العلمانية يتصدى لها الحسن الثاني ذو الحس الدبلوماسي اللامع بينما يسير الأحداث الدينية الحسن الثاني أمير المؤمنين الذي يصدر الظهائر الشريفة على غرار الأحاديث الشريفة التي كان يصدرها النبي. هذا الاستنتاج مستشف من لقاء فرنسي أكد فيه الحسن الثاني أن كل إنسان مصاب بانفصام الشخصية في أعقاب عملية انقلاب عسكري تحوم حولها الكثير من التساؤلات. ما رأيكم؟ فتوى سايكلوجية ملكية أم نظرية سايكولوجية جديدة تستحق متابعة أكاديمية؟ كم هي جذابة صراحة الملك الراحل عندما يؤكد ابتعاده عن الإزعاجات الدستورية و الديمقراطية و اليسارية عندما يذكر معارضيه بأنه صاحب السلطة الدينية العليا و الضامن التاريخي و الأنثروبولوجي لوجود المغرب و حامي الحمى. و قد أثبت المغاربة مجددا أنهم يستحقون الملك الحسن الثاني عندما شارك اليساريون في حكومة تناوب حكم عليها بالسجن في غياهب دستور يؤكد امتثالها له أنه لا يتناقض مع الاشتراكية التي آمن بها عبد الرحمان اليوسفي و رفاقه. مخطئ من يعتقد أن الحسن الثاني بذل جهودا خاصة لاستدراج خصومه الاشتراكيين، لقد جاؤوا إلى رحاب القصر الملكي و تسلموا سلطة إجرائية-تقنية بعيدة كل البعد عن مفهوم صناعة القرار.

    مع انطلاق عهد محمد السادس، تشكل رأي شخصي بإصلاح بعض الواجهات المثقلة بالبصمات الحسنية من الغيار العميق، و كشف اليساريون عن دهشتهم باقتراح الملكية البرلمانية. لا شيء يحاسبون عليه، اعتادوا على السلوك السابق إلى أن اكتسى طابع الخلود في تقديراتهم، فكان أن سبقهم الملك محمد السادس إلى إضافة نكهة إصلاحية إلى الوصفات السياسية الوطنية. كل المبادرات الهامة على الساحة المغربية أسسها الملك و لم يكن للاشتراكيين أو الإسلاميين أو الأحزاب الاكسسوارية أي حظ فيها، و هذا يدل على أن الإصلاح في بلدنا مرتبط بقوة بنزعات شخصية و بالنتيجة يبقى المغاربة حالمين بتطلعاتهم المؤجلة حتى تخامر الملك ذات مساء باهت أو بعد حدوث حالة واقعية شديدة الإستثناء. و كما مرر الحسن الثاني فترته بالهيبة الشريفة فإن محمد السادس سيمررها بواسطة تداعيات مفهوم ” العهد الجديد “. و باعطاء نظرة شمولية إلى القرارات المتطورة التي دشن بها الملك محمد السادس وصوله إلى الحكم، فإننا نستشف بسهولة أن الحسن الثاني اهتم اهتماما فائقا بتكوين حاشية ملائمة للمغرب بعد رحيله، فعلى ماذا تدل هذه الملاحظة؟ تدل على أن الحسن الثاني مازال حيا و تدل أيضا على أن تأملات ما بعد الموت لدى الملك السابق أفقدته الثقة في قادة المغرب الجديد، فكان أن رسم خارطة الإستمرار قبل الإعلان عن رحيله البيولوجي.

    ———————————-

    محبتي صديقي الغالي.

  6. رغم مرور عشر سنوات من حكم ملك جدي مختلف لم ينخرط في اقتصاد الممنوعات ولم يتلق الرشاوي الضخمة فإن الأمية لم تنقص كثيرا، والتغطية الصحية تمشي بسرعة السلحفاة ومستوى الفقر لم يتقهقر، لماذا؟ كما أشرت إلى ذلك، ليس من مصلحة السياسيين الفاسدين أن يتطور الحس الحضاري عند الشعب، ليبقى مبررا وفزاعة في وجه كل طموح دستوري. لقد كان بودي أن أحلل السلبي والإيجابي في هذه العشر سنوات لكن المقال لن يحتمل ذلك وسيصبح مملا، وربما تلته مقالات أخرى تهتم بالتفصيل بما يسم هذا العهد
    شكرا العزيز هشام على تحليلك العميق وعلى تواصلك الجميل

  7. فصائل المقاومة الفلسطينية تستنكر استباحة المسجد الأقصى



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر