الخطاب الأخلاقي، حق شعبوي أريد به الترهيب

كتبهاعلي الوكيلي ، في 21 مارس 2009 الساعة: 22:44 م

نحن لا ننصر التفسخ والعهر والفسق وتردي القيم والمبادئ، لكننا لا نريد أن تطرح مثل هذه القضايا في سياق فوضوي يسهّل تأويلها بأشكال لا تخطر على بال، ومن ثم يمكن الحجر على المجتمع وعلى كل شيءجميل فيه، لأن بئر التأويل لا قعر له، والمجتهدون لا تعدمهم التربة الديماغوجية، لأغراض سياسية أو مرضية ولم لا تجارية (كما تفعل قناة الجزيرة). الشعب في حاجة إلى تربية سياسية اجتماعية ثقافية، أما الأخلاق فلها أهل الاختصاص من علماء وخطباء وأهل دين، أما أن يحرض الجميع على صيانة الأخلاق بغموض عميق فتلك لعمري فتنة لا أقل ولا أكثر.

حين نتصفح المواضيع الأكثر تداولا في الأنترنيت فلن نجد فيها، إلا القليل مما يخص المعاملات، كالرشوة والفساد وظلم الحكام والديموقراطية والاقتصاد والتعليم والاجتهاد من أجل رفع الحرج عن المسلمين وغير ذلك مما هو لصيق بحياة المؤمن المادية، وإنما نجد سواد المواضيع يدور حول الحجاب والتبرج والنمص وتحريم الموسيقى والتجميل والتصوير وعورة المرأة والربا وغيره، فماذا يريد الأخلاقيون؟

أتكلم عن المغرب فأقول أن هؤلاء يحنون إلى تقليد المجتمع السعودي وذلك بإنشاء مليشيات المطاوعة التي يمكنها التدخل في أي شيء تؤوله أخلاقيا، فتمنعك من شراء الخيار مثلا أو أكل الموز بطريقة ما لأن في ذلك إيحاءات جنسية، أو تؤدبك لأنك نطقت كلمة جنس في مكان عمومي، أو تحقق معك في قراءاتك وكتاباتك وتمنعك من ارتياد الشوارع والملاعب والأسواق المخصصة للنساء، وقد تعتبر سياقة زوجتك للسيارة فتنة، ووجه ابنتك سبحان من صورها فتنة، وقد تتدخل في طريقة حلاقتك لشعر رأسك فتنبهك إلى ما قالته كتب السنة في آداب الحلاقة والحجامة، وقد تحرجك أمام حريمك لأن وجهك أملط كالنساء وهلم جرا، فهل هناك حدود لهذا الخطاب؟

ليس الخطر كامنا في الخطاب في حد ذاته وإنما في الطريقة التي يفهم بها الناس هذا الخطاب، ولقد رأيت بعضهم في المقهى ينفعل بشدة بعد قراءة خبر شواذ القصر الكبير في جريدة متخلقة جدا، فيضرب بيده المائدة ثم يصيح بقوة "والله ما بقاوا شي رجال فالمغرب، والله حتى يجاهد الواحد فهاد الكفار". قد يكون هذا الرجل سكن دم غضبه بعد ساعة أو ساعتين، لكن من الممكن أن يقرر آخر، في ظروف أخرى، إقامة الحد بيده، ومن ثم يصل الخطاب الأخلاقي إلى هدفه، الذي هو بكل بساطة تحريض الناس على تنفيذ الأحكام التي يصدرونها بأيديهم، دون حاجة إلى استشارة القانون الذي تشتغل به البلاد، وقد تجد بعض الصحف المتخلقة تقنع الناس بفساد القضاء جملة وتفصيلا فتلمح لهم بتطبيق عدالة السماء، فيقوم الجهلة وأنصاف المتعلمين وفقهاء الظلام بتطبيق ما يرونه حقا إلاهيا، متجاوزين بذلك "قوانين الكفار"، أفهذا ما يريده الأخلاقيون حقا؟

أنا شخصيا أعتبر أن الخطاب الأخلاقي هو الوجه الصحفي للتطرف والإرهاب، وإذا كان الإرهابيون يفجرون غضبهم دون تمييز فيحدثون المجازر بين الناس، أبرياء ومذنبين، فإن الأخلاقيين يفجرون قنابل أخرى مسمومة، تتلبس بقناع التقوى والاستقامة في حين أن أثر فعلهم لا يحسبون عواقبه وأبعاده هم أنفسهم، والمطلوب من هؤلاء أن يكونوا أكثر وضوحا حين يرشقون الناس بخطاباتهم هذه، فماذا تريدون من الناس بالضبط؟ فكروا مليا حتى لا يقتل الناس من أجل ذنب أقل من جنحة.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

8 تعليق على “الخطاب الأخلاقي، حق شعبوي أريد به الترهيب”

  1. السلام عليكم، فقط أريد أن ألفت الإنتباه أننا في مجتمع مسلم له تقاليده وتوابته لايمكن أن ننسخ النموذج السعودي المتخلف، ولا يمكن أن ننساق وراء التجارب الغربية المتعفنة وراء الشهوات الحيوانية والإستغلالية، لكن لنا مرجعيتنا الإسلامية الحضارية المغربية بتلاوينها الأمازيغية العربية الصحراوية، التي تجمع على مواجهة كل أشكال الإنحلال الأخلاقي والقيمي بمختلف الوسائل.

  2. مساهمتي في مؤازرة مقالك ب هسبريس=

    السلطاني

    أسفي شديد على بعض متتبعي هذا الموقع…كل ما طرحت زاوية نظر تختلف في بعض تصورها عن رأيهم الشخصي, إلا وانبروا له بالسباب وإطلاق أبشع النعوت …لا حول ولا قوة إلا بالله…
    لدى البعض قناعة راسخة في أنه يعيش في زمن انطلاق الدعوة الإسلامية..لم يبرحه بعد…أيتمثل كنه وعمق الرسالة المحمدية ومقاصدها؟؟؟لا أظن…ديننا ما تفوق في الجزيرة العربية ولا آمنت به أعراق وشعوب - ماضيا وحاضرا-إلا لكونه رسالة رحمة للبشر , وليست رسالة قسر وعنف…لذا أشدد على كون ديننا بمقوماته وأسسه السمحة المتعالية عن النقائص البشرية , قوي ومتجذر وخالد أبد الدهر , إنه قوي وصامد صمود الصخر,ليس نبتة ضعيفة معرضة لتقلبات الرياح حتى تقتلع…”وجادلهم بالمعروف…”..” لو كنت فظا غليظ….”

  3. مقال عميق لكنه سيجر عليك نقمة أنصاف العقول، لأن مثل هذه المواضيع لا تتلاءم مع مستوى العقل العربي
    أتمنى لك التوفيق

  4. عبد الله أحمد قال:

    ما أسهل الحجر على المجتمع!ولنا في الثقافة العربية القديمة شواهد كثيرة على ذلك.حتى إن بعض من يزعمون العلم و التفقه في الدين ألبسوا قيم الخوف و التوكل والخضوع لباسا إسلاميا .فحلت الأساطير محل العقل،وتم تهميش كل محاولات تجديد نظم القيم في الثقافة العربية.
    أما اليوم،فنرى كثيرا من المتأسلمين،هم -للأسف-من يضربون تحت الحزام،أو يستغلون عري النساء،ليزيدوا من حجم انتشار صحفهم أو فضائياتهم.
    تحياتي اخي علي.

  5. نريد فعلا أن يكون مجتمعنا متخلقا لكن ليس عن طريق العنف المادي أو اللفظي، وليس الدين وحده هو الذي يستطيع أن يحمي الأخلاق، وإنما تحضر المجتمعات هو معيار التعامل الأخلاقي الرفيع، ولو قرأت للمتأسلمين في المواقع الإلكترونية لاستحييت من شكل ألسنتهم التي تأخذ أحط ما في المراحيص من كلمات، فأين هي أخلاق آداب الحوار في الإسلام؟
    تحيتي وشكري لك أخي هشام

  6. شكرأ أخي سلطاني على تدخلك الموضوعي، الذي نادرا ما نجده في صفحات الإنترنيت، لأن الانحطاط أصاب السلوك القرائي عندنا بشكل شامل، ولعل ما يرعبني ويخلخل راحتي هي التعليقات التي تقنعني بسطحية تفكيري، مما يبلبل حياتي مدة لا باس بها، أما كلام الجهلة وأرباع المتعلمين الذين يتقنون هجاء الطيابات فهو لا يهز شعرة من رأسي
    كل المحبة والتقدير

  7. نقمة من يا أخي ابن الفلاح؟ هؤلاء الكلاب النابحة لا تترك ذرة أثر في فلسفة رؤيا الوجود عندي
    شكرا أخي ابن الفلاح على اهتمامك

  8. لو كان هؤلاء على حق لكان مستوى الإنتاج العلمي والصناعي على قدر مستوى ألسنتهم الطويلة، لكن من لا يمتلك العقل يشتغل باللسان
    سعيد بعودتك لزيارة المدونة أخي عبد الله



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر